تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢١ - قوله عز و جل سورة السجده(٣٢) آية ٢
صنعة البحث و المجادلة مع الخصام في علم الكلام، و هو مع براعته في فصاحته لم يسمع حرفا من حروف القرآن بما هو قرآن، و لا فهم كلمة واحدة، و كذلك أكثر المشتغلين بالبحث البحت، المغترّين بلامع سراب الحكمة، المحرومين من شراب المعرفة في كأس القرآن المبين، لكونهم صما بكما عميا لا يعقلون شيئا و لا يهتدون سبيلا لعدم حواسهم الباطنية التي هذه الحواس الدنياوية قشور لها، و بالقشر لا ينال إلا القشر، و أما اللباب فلا يناله إلا أولوا الألباب، و ما يذّكّر إلا أولوا الألباب، إن في ذلك لآيات لأولى الألباب.
قوله عز و جل: [سورة السجده (٣٢): آية ٢]
تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢)
خبر مبتدإ محذوف، أو هو مبتدأ خبره «لا رَيْبَ فِيهِ» و يكون «مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ» حالا من الضمير في «فيه» لأن المصدر لا يعمل فيما بعد الخبر، و يجوز أن يكون خبرا ثانيا، و على تقدير كون «تَنْزِيلُ الْكِتابِ» خبر مبتدإ محذوف يجوز أن يكون «مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ» خبرا ثانيا، و «لا رَيْبَ فِيهِ» حال من الكتاب المنزل أو اعتراض. و الأولى أن يرتفع «تنزيل» بالابتداء و خبره «مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ» و يكون «لا رَيْبَ فِيهِ» اعتراض لا محل له، كما وجهه صاحب الكشاف.
و اعلم إن الضمير المجرور راجع إلى مضمون الجملة، أي لا ريب في كونه منزلا من رب العالمين، و يدل عليه قوله: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ لأن هذا القول منهم في المفهوم يساوق لإنكارهم كون القرآن منزلا من اللّه تعالى، للتقابل الحقيقي بين كون الكلام مفترى، و بين كونه منزلا من رب العالمين.
و يحتمل أن يكون معنى «تَنْزِيلُ الْكِتابِ» من باب إضافة الصفة إلى الموصوف، فيحتاج في تعلق ضمير «فيه» إليه إلى ارتكاب حذف مضاف، كالتنزيل و نحوه.
و يحتمل أن يكون الجمل الثلاث أخبارا متبادلة لمبتدإ محذوف، و في الآية احتمالات أخرى بحسب الإعراب كما لا يخفى على اولى الآداب.